في سنة 350 قبل الميلاد، وضع الفيلسوف اليوناني أرسطو مقترح أن الطبيعة تمقت الفراغ، وأصبح هذا المبدأ يعرف باسم “رعب الفراغ” (باللاتينية: Horror vacu). بُنيَ هذا المفهوم على حجة علم الوجود في القرن الخامس قبل الميلاد من قِبل الفيلسوف اليوناني بارمنيدس، الذي نفى احتمال وجود فراغ في الطبيعة.[3] وعلى أساس فكرة أن الفراغ لا يمكن أن يوجد، اعتقدوا في الغرب وعلى نطاق واسع لقرون عديدة أن الفضاء لا يمكن أن يكون فارغًا.[4] وفي نهاية القرن السابع عشر، قال الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت أن الفضاء ينبغي أن يكون مملوء بأكمله.[5]
كانت هناك عدة مدارس للفكر في الصين قديمًا اهتمت بطبيعة السماء حمل بعض منها فهمًا شبيهًا للمفهوم الحديث، في القرن الثاني للميلاد ذكر الفلكي زانج هينج أن الفضاء غير متناهي وممتد وخلفه آلية معينة مع الشمس وحوله النجوم، وذكر فيما تبقى من كتب مدرسة هسوان ييه أن السماء لا منتهية الاطراف، وأنها فارغة وخالية من المواد وبالمثل فإن الشمس والقمر وباقي المجموعات المشتركة معها من النجوم تطفو في فضاء من الفراغ والحركة لاتزال قائمة فيها.[6]
أدرك العالم الإيطالي “غاليليو غاليلي” أن للهواء كتلة، لذا، هو أيضا يخضع للجاذبية الأرضية. و قد برهن في سنة 1640م أن القوة الناشئة تحول دون تكون الفراغ. إلا أن صناعة جهاز بإمكانه إنتاج الفراغ كان على يد تلميذه “إيفانجيلستا تورشللي” في سنة 1643م. أنتجت هذه التجربة أول بارومتر زئبقي، الأمر الذي أحدث ضجة علمية في أوروبا. جادل عالم الرياضيات الفرنسي “بليز باسكال” بأنه إذا كان عمود من الزئبق مسنودا بالهواء، فمن البديهي أن يكون العمود أقصر في الارتفاعات الأعلى حيث يكون الضغط الجويأقل.[7] و في سنة 1648م أعاد نسيبه “فلورين بيرير” التجربة على جبل “بي دي دوم” في وسط فرنسا فوجد أن طول العمود كان أقصر بمقدار 3 بوصات. تم توضيح هذا النقصان في الضغط الجوي بصورة أكبر عن طريق تجربة رفع بالون نصف مملوء إلى أعلى الجبل، حيث كان البالون ينتفخ تدريجيًا كلما ارتفع ويتفرّغ من الهواء كلما هبط.[8]
في سنة 1650 صنع العالم الألماني “أوتو فون غويريغ” أول مضخة هوائية: جهاز قادر على تفنيد مبدأ الخوف من الفضاء الفارغ. و قد أبدى أوتو ملاحظةً صحيحة وهي أن الغلاف الجوي للأرض يحيط بها كالقشرة، و بكثافة تقل بالتدرج مع الارتفاع؛ ما أوصله إلى استنتاج أن ما بين الأرض والقمر فراغ.[9]
في القرن الخامس عشر، افترض عالم اللاهوت الألماني نيكولاوس كوزانوس بأن الكون يفتقر إلى مركز ومحيط. و قد كان يعتقد بأن الكون – رغم كونه محدودا – لا يمكن اعتباره محدودا نظرا لافتقاره إلى حدود تحتويه.[10] هذا وقد قادت هذه الأفكار إلى افتراضات مثل فرضية البُعد اللا متناهي للفضاء للفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو في القرن السادس عشر؛ الذي توسع في علم الفلك الكونيالمتعلق بمركزية الشمس الكوبرنيكي إلى مفهوم كونٍ غير محدود مليء بمادة تدعى الأثير، وهي مادة لا تقاوم تحركات الأجرام السماوية.[11] و قد توصل الفيلسوف الإنكليزي ويليام جيلبرت إلى استنتاج مشابه يزعم فيه أن السبب وراء إمكانية رؤيتنا للنجوم هو فقط لأنها محاطة بأثير خفيف أو فراغ.[12] اُستحدث هذا المفهوم للأثير من قِبَل فلاسفة اليونان القدماء، بما فيهم أرسطو الذي تصور الأثير بأنه الوسط الذي تتحرك من خلاله الأجرام السماوية.[13]
ظل مفهوم كونٍ مليء بأثير مضيء رائجة بين بعض العلماء إلى بدايات القرن العشرين. واعتبر هذا الأثير ضروري لانتقال الضوء عبر الفضاء.[14] قام ألبرت ميكلسون وإدوارد مورلي عام 1887 بإجراء تجربة تُعدُّ واحدة من أهم التجارب في حقل الفيزياء، إذ تعتبر من أول الأدلة القوية المعارضة لنظرية الأثير؛ والتي تتضمن حركة الأرض من خلال وسط (أثير) مع النظر في التغير في سرعة الضوء القادم من الشمس اعتمادا على اتجاه حركة الأرض. لم يكن الأمر سهلا، حيث كان هناك خطأ في هذه النظرية أدى إلى العدول عنها إلى نظرية أخرى ظهرت بعد ذلك وهي “النظرية النسبية” لألبرت آينشتاين، والتي تنص أن سرعة الضوء في الفراغ هو عدد محدد غير متغير ومستقل تماما عن حركة المراقب أو عن إطاره المرجعي.[13][15]
كان الفلكي الإنجليزي “توماس ديجز” أوّل محترف أيّد نظرية “لانهائية الكون” وذلك في عام 1576م.[16] لكن قياس الكون ظلّ غير معروفًا حتى عام 1838 م حيث استطاع الفلكي الألماني “فريدريش بيسل” تنفيذ أول عملية قياس ناجحة من خلال قياس المسافة لنجم مجاور. حيث قاس موضع نجم “الدجاجة 61” وبمقارنة قياسه في ذلك الوقت بالقيمة الحالية يختلف الموضع بمقدار 0.31 ثانية قوسية فقط. وهذا يتوافق مع مسافة أكثر من 10 سنوات ضوئية.[17]حدد الفلكي الأمريكي “إدوين هابل” البعد عن مجرة “المرأة المسلسلة” في عام 1923م مستخدمًا تقنية حديثة اكتشتفتها “هنريتا ليويت” تقتضي قياس السطوع للمتغير القيفاوي في تلك المجرة.[18] ونتج عن هذا استنتاج بأن مجرة “المرأة المسلسلة” وجميع المجرات تقع خارج مجرة درب التبانة وتبعد عنها كثيرًا.
أول من قدر درجة حرارة الفضاء الخارجي هو عالم الفيزياء السويسري شارل إدوار غيوم وذلك عام 1896. وهو قدر درجة الحرارة الكونية بين 5 و 6 كالفن وذلك بتخمين الإشعاعات الخلفية للنجوم. وفي عام 1926، قام العالم الإنكليزي آرثر ستانلي إدنغتونبحسابات مماثلة ليصل إلى نتيجة أن درجة حرارة الكون هي 3.18o. وفي عام 1933، اعتمد العالم الألماني إريك ريجنير على مجموع قياس طاقة الإشعاعات الكونية ليصل إلى نتيجة أن درجة حرارة الكون هي 2.8 كلفن.[19]
يعتمد المفهوم الحديث للفضاء الخارجي على نظرية علم الكونيات المعروفة بـ “الانفجار الكبير” التي طرحها عالم الفيزياء البلجيكي جورج ليمايتر في سنة 1931.[20] تقول هذه النظرية بأن الكون المرئي نشأ من مادة مضغوطة بشدة، وهو يمر بمرحلة تمدد مستمرة. المادة المتبقية من بدء التمدد خضعت لانهيار جاذبية داخلي نتجت عنه نجوم ومجرات و أجسام فلكية أخرى مخلِّفة ورائها فراغًا عظيمًا يعُرف اليوم بالفضاء الخارجي.[19] و بما أن للضوء سرعة محدودة، تقيد هذه النظرية حجم الكون المرئي المباشر؛ مما يبقي المجال مفتوحا للنقاش عما إذا كان الكون محدودًا أو غير محدود.
ظهر مصطلح الفضاء الخارجي للمرة الأولى في سنة 1842 في قصيدة “عذراء موسكو” للشاعرة الإنكليزية السيدة إيميلين ستيوارت-وورتلي[21]، و استخدم كمصطلح في علم الفلك بواسطة ألكسندر فون همبولدت في سنة 1845م. وانتشر المصطلح بعد كتابات أتش جي ويلس عام 1901. لكن المصطلح الأقصر، وهو الفضاء، فهو أقدم ويدل على المجال الخارجي للكرة الأرضية والذي استعمله جون ميلتون في كتابه “الأرض المفقودة” عام 1667.[22]
أضف تعليق